السيد محمد حسين فضل الله
250
من وحي القرآن
السابقة باعتبار أن نقاء المرأة من الدم طهور لها ، فكأنها تتطهر بالنقاء كحالة طبيعية في الواقع الجسدي وبذلك يجوز للإنسان ، على هذا الوجه ، مقاربة زوجته بعد النقاء وقبل الغسل . وربما يراد من التطهر الغسل ، غسل الحيض ، أو غسل الفرج لإزالة القذارة . ولكن الأقرب إلى أجواء الآية ، هو المعنى الأول ، باعتبار أنها ظاهرة في الرخصة بعد المنع على أساس ارتفاع المانع الموجب للحرمة . أما مسألة غسل موضع الفرج أو الاغتسال ، فقد تقتضيهما طبيعة الحالة النفسية التي لا تقبل على الموضع القذر إلا بعد غسله . لأن الناس قد يتعاملون مع آثار القذارة في المحل كتعاملهم مع القذارة نفسها ، لذلك تراهم يعملون على إزالة الأثر حتى بعد زوال العين . وفي ضوء ذلك ، يمكن أن تكون إرادة هذا المعنى - على التقدير الآخر - مطلقة من الحالة الطبيعية للإنسان ، لا من خلال الشرط الشرعي للرخصة . وعلى كل حال ، فإن الحرمة ترتفع بارتفاع هذا الأدنى وزوال تلك القذارة ، فيمكن للناس العودة إلى الوضع الطبيعي في علاقتهم بالنساء . فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ . وهذا أمر وارد على سبيل رفع الحرمة ، فلا دلالة فيه على الوجوب ، تماما كما في كل أمر وارد بعد الحظر أو في مقام توهمه . أما تحديد الإتيان بكونه مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ فقد يكون المراد منه الإشارة إلى الفرج الذي أمر بتجنبه ، وقد يفسر بأنه إشارة إلى طبيعة الجماع الذي أمر اللّه به في تقرير النظام في حياة النوع الإنساني ، فليس هو من قبيل الأفعال التي تعيش في هامش الوجود الإنساني ، كبعض الأفعال الصادرة منه على سبيل اللغو واللهو ، باعتبار أن امتداد هذا الوجود وحيويته متوقفان على ذلك فهو من النواميس الكونية . وفي ضوء ذلك ، يكون المراد بالأمر بالإتيان في الآية ، الأمر التكويني المدلول عليه بتجهيز الإنسان بالأعضاء والقوى الهادية إلى التوليد ، كما ذكره صاحب الميزان « 1 » . وقد يراد به - كما عن ابن
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 2 ، ص : 215 .